بقلم: علياء العامرية.
وفي هذا الصدد أذكر صديقتي درة حين
كانت تقول:
"أحب أشم رائحة الأوراق، أحس
أنها تعطيني حياة ثانية، تخيلي لو شيء عطر كذا برائحة الورق".
لم أكن أدرك عمق كلامها إلا عندما
عشت هذه التجربة، حين شممتُ كتاب "كل الأشياء" لأول مرة، حين قرأته بعين
نجمة أمل، وعشنا عالمه سويًا، وما زالت كل الأماكن تذكرنا بجاسم ودانة.
حين قرأتُ بعينيها الجميلتين
"في قلبي شجرة"، و"الطواف حول السطح"، والكثير من الكتب، وبعد
تخرج نجمة أمل بحثت عن قارئات يقرأن لي الكتب، وكان لي ذلك، لكن بعد تخرجي من
الجامعة أدركتُ أي فراغٍ سكنني، وأي وحشةٍ غمرت روحي.
يقول عباس محمود العقاد:
"لست أهوى القراءة لأكتب، ولا
أهوى القراءة لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة
واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني، والقراءة – دون غيرها – هي التي تعطيني أكثر من
حياة، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق."
وأنا بحاجة إلى هذه الحيوات التي
تحدث عنها العقاد، أريد أن أقرأ لأعيش، لأتعلم، وأتغير.
من هذا المنطلق، ما أجمل أن ندرك أن
القراءة حق أصيل للجميع؛ الكفيف والمبصر، الأصم والسميع. كلنا بحاجة إلى المعرفة،
وبحاجة لأن نعيش أكثر من حياة، ونغرق بين صفحات الكتب ونتنفس هواءها.
ولكن هنا يكمن العائق أحيانًا… فرغم
التطورات المتسارعة ووجود برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الكتب الإلكترونية، ما
زال الكفيف يعاني من صعوبة الوصول إلى الكتب وقراءتها.
قد يتبادر في ذهنك أن تطبيقات الكتب
الصوتية، ومنصات مثل "يوتيوب" و"ساوندكلاود"، قد حلت المعضلة.
لكن لنكن في قمة الصراحة؛ فهذه
التطبيقات لا تغني القارئ الكفيف. فنحن نركز على الصوت أكثر من غيرنا، الصوت هو كل
شيء بالنسبة لنا. وأحيانًا تكون نبرة المؤدي الصوتي مستفزة، ومخارج حروفه غير
صحيحة، مما يفسد متعة الكتاب مهما كان عظيمًا. وهنا أذكر كتابًا استمعتُ إليه عبر
أحد التطبيقات، ولم يرق لي أبدًا لأن نطق المؤدي جعل اللغة العربية مزيجًا من
اللهجات الغريبة، ولكن حين قرأتُ الكتاب إلكترونيًا بنفسي تغيرت نظرتي له تمامًا.
كما أن الكتاب الصوتي يحرمنا من اقتباس العبارات التي تلامسنا لنشاركها مع
أصدقائنا، وغيرها من السلبيات التي تجعل الكتاب الصوتي مجرد حل جزئي لا يروي عطش
القارئ الكفيف.
أنا لا أنكر أن هناك مبادرات رائعة
تمكّن الكفيف من القراءة، وهناك متطوعون يسعون جاهدين لتحويل الكتب الورقية إلى
صيغ يمكن الوصول إليها بسهولة. ومن أهم هذه الجهود "مكتبة خير صديق"،
فهي تسعى لتحويل الكتب الورقية إلى صيغ يسهل التعامل معها دون تعقيدات.
وأحيانًا يتكبد المكفوفون عناء شراء
الكتاب، ودفع مبالغ إضافية طائلة لتحويله إلى صيغة متوافقة مع قارئات الشاشة.
كما أن هناك مبادرة أخرى، وهي
"حروف من نور"، مبادرة كويتية ثقافية وإنسانية أطلقها المركز العلمي
الوطني ودار شفق للنشر والتوزيع، بشراكة استراتيجية مع جهات عدة داخل الكويت
وخارجها. تستهدف هذه المبادرة القراء المكفوفين، وتعمل على طباعة وتوفير كتب الثقافة
والأدب بطريقة برايل.
قد تتساءل عزيزي القارئ: ما المشكلة
إذًا ما دامت هذه المبادرات موجودة؟
سأجيبك… إن المشكلة يا صديقي أن
الكثير من الكتّاب يرفضون التعاون مع هذه المبادرات خوفًا من "قرصنة
المحتوى" أو تسريب كتبهم وتداولها بشكل مجاني، إضافة إلى قيود عقود النشر،
حيث ترفض بعض دور النشر التعاون لأنها لا ترى مصلحة مادية في نشر الكتب بصيغة إلكترونية
للمكفوفين.
إن الكتاب الذي يُحبس خلف قضبان
الورق خوفًا من القرصنة، هو كتاب يموت مرتين؛ مرة لأنه لا يُقرأ، ومرة لأنه يحرم
فئة كاملة من ضوء المعرفة.
وأمر آخر، أن بعض الكتّاب يجهلون
تمامًا كيف يقرأ الكفيف؛ فيظنون أن الكتاب لا بد أن يُحوَّل فقط بطريقة برايل، ولا
يعرفون الوسائل التقنية الأخرى.
لذا، لا بد لنا كمكفوفين من توعية
المجتمع، لكي نحظى جميعًا بفرصة عيش "أكثر من حياة" وسبر أغوار المعرفة.
عزيزي الكاتب… ما أجمل أن يقع كتابك
بين يدي قارئ كفيف، يرى الحياة بعينيك، ويدخل إلى أعماق أفكارك. نصيحتي لك ولدور
النشر: إن كنتم تخافون من التعاون مع المبادرات التطوعية، فتعاونوا على الأقل مع
التطبيقات الرسمية مثل "تطبيق أبجد".
وهنا أقترح على "تطبيق
أبجد" توفير ميزة القراءة المجانية للمكفوفين، وللتأكد من هوية المستخدم يمكن
طلب "بطاقة الإعاقة" ضمن بيانات التسجيل في التطبيق.
مع ذلك فإن الواقع ليس مظلمًا
بالكامل، وهناك كُتّاب كثر لو أتيحت لهم فرصة مساعدة الكفيف لفعلوا دون تردد،
وأذكر في إحدى مجموعات الواتساب حين طرحت هذا الموضوع تفاعل معي كاتب مبدع، وتطوع
بإرسال كتابه لنشره في مكتبة خير صديق، وأتمنى من صميم قلبي أن أجد بعد هذا المقال
عددًا لا بأس به من الكتّاب يبادرون بالتعاون مع هذه المبادرات لتصل إلينا كتبهم.
من وجهة نظري، القراءة حق للجميع،
ولا بد من التعاون ووضع النقاط على الحروف لنتمكن جميعًا من القراءة بحرية، ونعيش
تلك الحيوات التي حلمنا بها، ونشمّ عطر المعرفة في كل سطر نقرؤه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق